السيد محمد حسين فضل الله

214

من وحي القرآن

لاستحالة ذلك منه ، لعلوّه عن كل الحوادث وعن كل صفات المخلوقين . إن هذا الإحساس السلبي ينطلق بنا من رد الفعل عن الضرر الواقع من المعتدي ، ولكن انتقامه يتمثل - في الجانب العملي - في مجازاة المسئ بإساءته من خلال الحكمة في ذلك ، لأن ساحته أعز وأعلى من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده . إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ فهو المطّلع على كل عباده في سرّهم وعلانيتهم ، في كفرهم وإيمانهم ، في طاعتهم ومعصيتهم ، كما هو مطّلع على كل شيء في الكون في الأرض وفي السماء ، فلا بد للناس من أن يراقبوه في كل ما يعملون ، وفي ما يسرّون وما يعلنون ، وأن يحسبوا حساب عذابه في ذلك كله . هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فهو الذي يبدع وجودكم بكل خصائصه ويمنحكم الصورة التي يشاؤها بحكمته ، وأنتم أجنّة في بطون أمهاتكم ، من ذكورية وأنوثية ، وجمال وقبح ، وطول أو قصر ، أو ذكاء وبلادة ، أو حدّة أو برودة ، في صورة مادية أو معنوية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الخالق البارئ المبدع المصوّر ، فلا يشاركه في خلقه أحد ، ولا يساعده في إبداع الصورة غيره الْعَزِيزُ في سلطانه الْحَكِيمُ في أفعاله ، فلا يصدر منه إلا ما كان في عمق الحكمة التي تضع الأمور في مواضعها وتبدع الأشياء بأسرارها . وهكذا تنطلق الوحدانية الإلهية في وعي وجدان الإنسان لينفتح على اللَّه وحده في كل أموره ، وليراقبه في كل حركاته وسكناته ، وليشكره على جميع نعمه في وجوده ، فليست هناك نعمة إلا منه ، فهو الأول والآخر في كل وجود الإنسان أولا وأخيرا .